رسالة معالي الدكتور محمد بن علي كومان
الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب
بمناسبة يوم الشرطة العربية
تونس: 18/12/2009
لعل من محاسن الصدف أن يأتي الاحتفال بيوم الشرطة العربية هذا العام في فترة متزامنة تقريباً مع انعقاد المؤتمر الثالث والثلاثين لقادة الشرطة والأمن العرب. فقبل نحو عشرة أيام أي بتاريخ 9 و10 كانون الأول/ديسمبر، شهد مقر الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب في تونس لقاء أصحاب السعادة قادة الشرطة والأمن العرب في مؤتمرهم السنوي، بمشاركة جمع من كبار المسؤولين الأمنيين في الدول العربية. وقد جاء هذا المؤتمر ليكرس ويعزّز علاقات التعاون والتنسيق والأخوّة بين الأجهزة الأمنية العربية. وكم نحن في الواقع بحاجة للوصول بهذه العلاقات إلى أسمى وأرفع درجة من أجل تأمين مواجهة جادة وفعالة لقوى الشر وعناصر الإجرام والتخريب التي تسعى لإشاعة الفوضى وزرع بذور الفتنة وتقويض ركائز الأمن والطمأنينة والاستقرار.
ومن نافلة القول أن هذه القوى والعناصر ليست محصورة في دولنا العربية فقط، وأن نشاطها ليس موجهاً إلى هذه الدول فحسب، ولكننا نشكل جزءاً هاماً من هذا العالم الذي يتعرض لموجات وأعمال متتالية ومتصاعدة الخطورة من الإجرام بمختلف صوره وأنواعه. ومما يزيد من حدة الأخطار المحدقة بالجميع بروز أنواع جديدة ومبتكرة من الجرائم يقوم بها أفراد وعصابات منظمة على درجة عالية من الدقة والاحتراف، ويستخدم فيها آخر ما توصلت إليه تقنيات العصر من وسائل متقدمة ومتطورة، وهو أمر يزيد من الأعباء التي تتحملها القوى الأمنية الساهرة على حفظ النظام وتطبيق القانون وإبعاد الأذى والضرر سواءً عن البلاد في مجموعها أو عن عموم المواطنين والمقيمين، فاستخدام الوسائل المتطورة يوفر تسهيلات جمة لقوى الإجرام بحيث ترتكب جرائمها بشكل أكثر سهولة وبساطة، وقد يتم ذلك عن بعد في بعض الأحيان، مما يشكل عقبة إضافية أمام الأجهزة الأمنية لأنه يزيد من صعوبة اكتشاف تلك الجرائم وفك رموزها وإلقاء القبض على منفذيها أو المشاركين فيها، أو حتى المحرضين عليها، وقد يحدث أحياناً أن يقع بعض عناصر تلك الأجهزة ضحية لها.
من هنا فإننا مطالبون جميعا بتقدير أهمية ودقة الدور الذي يقوم به رجال الشرطة والأمن وبالتالي توفير كل وسائل الدعم والمساندة لهم، ونحن عندما نتحدث عن الدعم والمساندة فإننا نتوجه أول ما نتوجه إلى المواطن المعني أولاً وأخيراً بنجاح رجل الشرطة والأمن في أداء الرسالة الموكولة إليه. فهذه الرسالة تقوم على أساس إشاعة الأمن والاستقرار في المجتمع ومواجهة كل الأخطار التي تهدد البلاد وفي مقدمتها الإرهاب، الذي يشكل آفة العصر دون منازع بالنظر لما يحدثه من مآسي وويلات وخسائر فادحة. وحيث أنه لا يمكن تفادي الإرهاب أو التخلص منه دون تضافر جهود مختلف الجهات، فإننا نشدد كثيراً على أهمية وعي المواطن لدور رجل الشرطة والأمن، وكذلك على ضرورة وقوف هذا المواطن إلى جانب القوى الأمنية ومؤازرته لها بكافة السبل والوسائل ولاسيما من حيث مدها بأي معلومات أو معطيات مفيدة يمكن أن تساعد في كشف خلية إرهابية أو تفادي حدوث عمل إجرامي خطير، وعلى المواطن أن يدرك أنه بذلك يقدم خدمة جليلة لنفسه أولاً ولوطنه ومجتمعه ثانيا، لأن انتشار الإجرام يهدد ركائز الدول في الصميم ويحرم المواطن من نعمة الأمن والاستقرار التي لا تعادلها أي نعمة، لأنه من دونها لا يستطيع المرء أن يهنأ بالوجود أو ينعم بالراحة، ولا يمكن لأي من المرافق والقطاعات لاسيما الاقتصادية منها أن تعمل بصورة طبيعية وأن تتاح لها فرصة التطور والتقدم، وعلى المواطن أن يدرك أيضاً أن رجل الشرطة والأمن لا يعمل لحسابه الخاص، وأنه حين يقوم بإيقاف مواطن ما، إنما يفعل ذلك تطبيقاً للقانون وخدمة للمجتمع، وفي المقابل فإن رجل الأمن مطالب بدوره بأن يضمن للمواطن كل الاحترام والتعامل الإنساني، وبأن يعي دائماً أن ارتداءه الزي العسكري أو تمتعه بصلاحيات معينة لا يخوله تجاوز القانون أو القيام بأعمال منافية لمبادئه وقواعده.. إن العلاقة الوطيدة والحسنة بين المواطن ورجل الأمن هي الضمانة لوقوف المجتمع بأسره في مكافحة الجريمة، وإفقاد الجماعات الإجرامية وخاصة الإرهابيين القاعدة التي يجهدون للاستناد إليها والمتمثلة في وقوف قسم من المواطنين أو الرأي العام إلى جانبهم سواءً عن جهل أو تعبيراً عن نقمة أو يأس من أوضاع معينة.
إن يوم الشرطة العربية هو يوم يشع بالضوء والنور بالنسبة لنا وهو مناسبة تدفعنا إلى التعبير عن عرفاننا لرجال الأمن وامتناننا للدور الكبير الذي يقومون به في خدمة المجتمع، وإلى البحث عن السبل التي تؤدي إلى تعزيز أجهزة الشرطة والأمن ودعمها معنوياً ومادياً، وتزويدها بكل ما تحتاجه من معدات وتجهيزات متطورة، لأنه بذلك، وبذلك فقط، يمكن أن نطمئن إلى أن قيامها بدورها سيكون كاملاً، وأن مستقبل البلاد سيكون خيراً وأمناً.
ولا يفوتنا ونحن نختم هذه الرسالة أن نؤكد مجددا على ضرورة إقامة أوثق علاقات التعاون بين الأجهزة الأمنية العربية أولا وبينها وبين نظيراتها على مستوى العالم ثانياً، لأن الجريمة المنظمة لم تعد محصورة داخل دولة بعينها بل إنها باتت عالمية الأبعاد عابرة للحدود الوطنية، وهو ما يتطلب عولمة المواجهة.