كلمة ممثل فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية
العماد ميشال سليمان
وزير الداخلية والبلديات المحامي زيـاد بـارود
في الجلسة الافتتاحية للدورة السادسة والعشرين لمجلس وزراء الداخلية العرب
بيروت – 22/3/2009
أصحاب السموّ والمعالي، الإخوة وزراء الداخلية العرب،
أصحاب المقامات،
أيّها الكرام،
يطيب لي أن أنقل إليكم تحيات فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية، العماد ميشال سليمان، الذي شرّفني فكلّفني أن أرحّب بكم، أشقّاء أعزّاء، في وطنٍ يزخر بمحبتكم ويفخر باحتضان الدورة السادسة والعشرين لمجلس وزراء الداخلية العرب، برعايةٍ عليا من صاحب الفخامة.
والحال، أن احتضان بيروت لمجلسكم الكريم هو جزءٌ من خيارات اتخذت منها بيروت مسارا، لتكون عاصمةُ بلاد الأرز عند الإخوة العرب، مجتمعين، نقطةَ التقاء ومساحةَ حوار ومحلّ تشارُكٍ وإطار توافقٍ وعربون وفاء.
أصحاب السموّ والمعالي،
تستضيف بيروتُ اليوم مجلسا وزاريا رفيعا، عنوانُه الداخل ودوره عابرٌ للحدود: مجلسٌ لوزراء الداخلية في الدول العربية، يبحثون سويا في ما يأتيهم، من الداخل والخارج على السواء، من تهديدات وهموم مشتركة. فالقرية الكونية لم تحمل إلينا فقط حسنات التطوّر والحداثة - وهذا أمرٌ حسن - بل حملت معها أيضا مجالاتٍ مستجدةً إستغلّها الإجرام المنظّم والإرهاب العابر للدول لتقويض السلم الأهلي وضرب استقرار مجتمعاتنا. وها نحن اليوم، بعد نحو ثلاثة عقودٍ على قيام مجلس وزراء الداخلية العرب، نجد في هذه المؤسسة إطارا واجب الوجود في عالمنا العربي، بل ومن أجل عالمنا العربي. فإلى أصحاب الفكرة الأولى وإلى أصحاب المبادرة منذ العام 1982، ألفُ شكرٍ وتحية. هذه الثمار من ذاك الزرع...
أيها الكرام،
عناوينُ عدة نجتمع حولها، هي بحجم التحديات التي نشترك في مواجهتها. عناوين في المعالجة والمواجهة، وعناوين في الوقاية والارتقاب، تندرج كلّها تحت عنوانٍ واسع جامع هو التعاون.
قد يميل البعض منّا إلى الاعتقاد أن وزارة الداخلية عموما هي وزارة أمنية فقط. هي أمنية بامتياز، نعم، وهكذا يجب أن تكون، لكنّها أيضا وزارةُ التنمية المحلية، ووزارة الحزم العادل، ووزارة التواصل الدائم مع الناس من أجل خدمتهم على نحو أفضل. هي الوزارة الملجأ للباحث عن طمأنية، وهي وزارة حقوق الإنسان، لأن جدرانها وجدران المؤسسات التابعة لها هي التي تحمي في مطلق الحالتين: هي تحمي الناس في حرياتهم وحقوقهم إذا تعرّضت للانتهاك، ولكنها قد تحمي أيضا إرتكابات تحصل بحق هؤلاء الناس أنفسهم، وما ظلمٌ أصعبُ من ظلم القانون ورجاله.
وزارة الداخلية، أيها الكرام، ينبغي أن تكون وزارةَ الموازنة بين الأمن والحقوق، وهما كفّا الميزان وعنصرا المعادلة. تنجح وزارة الداخلية بقدر ما تستوي هذه المعادلة، وننجح معا بقدر ما ندفع في هذا الاتجاه، في اتجاه هيبة الدولة القادرة، في موازاة كرامة المواطن الإنسان.
أصحابَ السموّ والمعالي،
لا يخفى عليكم، وأنتم أهلُ الاختصاص والخبرة، أن استتبابَ الأمن يرتبط بالدرجة الأولى بعناصرَ ثلاثة على الأقل: 1) هيبة الدولة العادلة والحازمة أينما لزم الأمر حزما، 2) وثقة الناس بمؤسساتهم الحامية وتعاونهم معها، 3) وقدرة الأجهزة الأمنية، عديدا وعدّة وتدريبا وكفاءات، على مواجهة الجريمة. ولعلّ ما تعاني منه بعض أقطارنا، مردّه إلى فقدان أحد هذه العناصر أو عدم كفايته. ولذا، فإن الفائدة المشتركة تقضي بأن نتعاون لملء النواقص حيث يلزم.
الفائدة المشتركة، أو ربما الخطر المشترك والتهديد المشترك واحتمال انتقال العدوى بسرعة تطوّر التكنولوجيا ولواحقها، تحتّم علينا العمل على مسارات موازية، هذه بعضها:
على مستوى مكافحة الإرهاب، خطت الدول العربية خطوة لافتة بإقرارها الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب ووضعها توصيفا موحّدا للأخير في 22/4/1998، مؤكّدةً في الديباجة على التعاون الكامل فيما بينها. ولا بدّ من تعزيز التطبيقات العملية لهذه الاتفاقية التي تحمي الجميع دون استثناء لأن الإرهاب بات يهدّد الجميع دون استثناء، وبات يضرب، بعد المدنيين، القوى المسلّحة، على ما يقوله فخامة الرئيس العماد ميشال سليمان.
أما على مستوى الجريمة المنظّمة، وهي تشمل جرائم تبييض الأموال والاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين وجرائم المعلوماتية، على سبيل المثال لا الحصر، فإن الحاجة باتت ملحةً لإنشاء مكتب عربي مختصّ بمكافحتها. ولذا، فإنني أتمنى على مجلسكم الكريم النظرَ في إمكان إستحداث هذا المكتب ووضع أسسه وهيكليته، ولبنان على استعداد لاستضافة المقرّ.
وإذ يسرّني أن ألاحظ الجهدَ الكبير الذي بذلته الأمانة العامة للمجلس، مشكورةً، في إطار التحضير لإطلاق جهاز الإتصال العصري بين وزارات الداخلية في الدول العربية، لا يسعني إلاّ أن ألاحظ أيضا تنامي الجريمة المعلوماتية ودخولَها على خط الأسلحة الأكثر فتكا والأكثر استعمالا في تهديد الأمن. ولا بد في هذا السياق من التأكيد على ضرورة مواكبتنا جميعا لتطور تكنولوجيا المعلومات ودخولنا إلى زمن عولمة الجريمة محصّنين بالأسلحة المضادة.
وبموازاة محاربة الإرهاب، لا ننسى سلامة الناس "البديهية"، المرتبطةَ بيومياتهم، وليس أقلُها الحمايةَ المدنية والإنقاذ والسلامة المرورية. فهذه كلّها عناوين تدخل في صلب الاهتمام بأمن الناس الاجتماعي الحياتي اليومي. وهذه عناوين ترتدّ أيضا بإيجابيات أكيدة على مستوى تحسين نوعية الحياة وتظهر الطابع الحضاري لبلداننا. حزام الأمان، أيها الأعزّاء، عنوانٌ بسيط له وقعٌ كبير. شبابنا العربي يُقتل في غير مواقع معارك الشرف، والإحصاءات تشير إلى أن حوادث المرور تحصد أكثر من خمسة أضعاف ما تخسره بلداننا نتيجة أحداثٍ أمنية جنائية "تقليدية".
ولا ننسى في كل هذا الخضمّ، أن الأمن الاجتماعي والاقتصادي يبقى ركيزة أساسية وربما من أنجع التدابير الوقائية لحماية الأمن بمعناه الواسع. الفقر سلاحٌ أيضا، تستعمله أيادي الشرّ لتدمّر العلاقة بين المواطن ومجتمعه، فيخرج عن الضوابط. والتقديمات الاجتماعية الغائبة تولّد استعدادا لتلقّي تقديمات ومغريات من نوعٍ آخر، ولو كان الثمن دما ودمارا. وإذا كانت صلاحيات وزارة الداخلية تخرج عن هذا النطاق، إلاّ أن التشارك مع وزارات أخرى معنية بات ضرورة ملحّة لدرء ارتدادات الاجتماع والاقتصاد على الأمن والسلامة. وفي كل ذلك، نرى في الإعلام شريكا أساسيا لوزاراتنا ولقوانا الأمنية، لنحمل الرسالة إلى الناس ولتستقرّ معادلة الأمن والحقوق.
أصحاب السموّ والمعالي، أيها الضيوف الأعزّاء،
في مؤلّف لا يخلو من نفحة فلسفية للكاتب اللبناني أمين معلوف، تحت عنوان "الهويات القاتلة"، يتصوّر الكاتب في خاتمة كتابه أحد أحفاده وهو أمام مكتبة العائلة. ينظر الحفيد إلى كتاب في الزاوية، يملؤه الغبار (ويعني به "الهويات القاتلة")، يتصفّحه بعض الشيء، ثم يهزّ بكتفيه متسائلا كيف كان الناس في عصر جدّه يتحدثون عن بديهيات كتلك التي في الكتاب. والعبرة في الرواية أننا نطمح جميعا، على ما أعتقد، إلى زمن نلتقي فيه معا، لا لنبحث في بديهيات أمن مجتمعاتنا، بل لننظر إلى مستقبل عنوانه تحسين نوعية الحياة وخدمة الناس بأفضل ما يستحقون.
باسم فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان، لكم أصدق التمنيات بمؤتمرٍ منتج ولكم في لبنان مكانةُ أهل الدار. أدامكم الله وسدّد خطاكم.
زيـاد بـارود
وزير الداخلية والبلديات - لبنان
بيروت، 22/3/2009