شارك معالي الدكتور محمد بن علي كومان الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب على رأس وفد من الأمانة العامة للمجلس في فعاليات افتتاح قمة أبو ظبي العالمية للأمن المستدام 2026، التي انعقدت - بالتزامن مع فعاليات المعرض الدولي للأمن الوطني ودرء المخاطر "آيسنار" 2026م في نسخته التاسعة - تحت رعاية سمو الفريق الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وبتنظيم من وزارة الداخلية الإماراتية وأكاديمية ريدان وبالتعاون مع مجموعة أدنيك، في مدينة أبو ظبي خلال الفترة 19 – 21 مايو الجاري.
وتضمنت القمة برنامجاً متكاملاً شمل كلمات رئيسية لمسؤولين وخبراء دوليين، وجلسات نقاشية استراتيجية، وطاولات مستديرة مغلقة، وأوراقاً بحثية، وورش عمل تطبيقية، ما وفر منصة شاملة للحوار وتبادل المعرفة وتعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والمؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص، وشهدت مشاركة واسعة من مسؤولين حكوميين وقيادات أمنية وخبراء وممثلين عن منظمات دولية ومؤسسات أكاديمية من مختلف دول العالم، ما عكس الطابع الدولي للقمة ودورها في تعزيز الحوار والتعاون لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة.
من كلمات افتتاح القمة
وفي افتتاح فعاليات القمة في نسختها الأولى ألقى معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية في مملكة البحرين كلمة أكد فيها على أهمية هذه القمة التي جاءت في وقت أصبحت فيه التحديات الأمنية تشكل تحولات عميقة في خريطة المشهد الدولي على مختلف الأصعدة، وقال معاليه: إنه لمن بالغ الدلالة أن تحتضن دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، هذه القمة، وهي التي رسخت نفسها، نموذجًا للدولة التي لا تنظر إلى الأمن باعتباره مجرد منظومة إجراءات، بل مشروع حضارة، واستثمارًا في الإنسان، ورؤية بعيدة المدى لصناعة الاستقرار، وقد أصبح واضحًا اليوم أن منطقة الخليج العربي لم تعد مجرد نطاق جغرافي أو ممر حيوي، بل أحد الأعمدة التي يستند إليها استقرار العالم بأسره، فأمن الطاقة، وسلامة التجارة الدولية، واستمرارية سلاسل الإمداد، وحركة الاقتصاد العالمي، جميعها ترتبط بصورة مباشرة باستقرار هذه المنطقة الحيوية، ومن هنا، فإن التوتر في الخليج العربي، لا يبقى محصورًا داخل حدوده، بل تمتد ارتداداته إلى الأسواق العالمية والمجتمعات الخارجية، وعليه نقول بوضوح: "إن استقرار الخليج العربي لم يعد شأنًا إقليميًا فقط بل ضرورة دولية لحماية الأمن الجماعي".
وأشار معاليه في كلمته إلى تجربة مملكة البحرين في الحوكمة المدفوعة بالتكنولوجيا وإدارة الطوارئ، خلال الظروف الإقليمية الدقيقة التي شهدتها المنطقة في فترات التوتر والحرب، وهي تجربة كشفت أن إدارة الأزمات الحديثة لم تعد عملًا تقليديًا قائمًا على رد الفعل، بل أصبحت عِلمًا ومَنطِقًا قائمًا على التنبؤ، والاستباق، وتحليل البيانات، والتكامل المؤسسي، وتعد التجربة البحرينية، وبلغة المؤشرات والأرقام، مثالًا ناجحًا في هذا المجال فقد أصبحت البيانات اليوم موردًا استراتيجيًا، لا يقل أهمية عن الموارد التقليدية الأساسية، وأصبحت القدرة على تحويل المعلومة المجردة إلى قرار سريع ودقيق إحدى أهم أدوات حماية الدول.
وقد اعتمدت البحرين، منصة مراقبة المؤشرات الحكومية والتي تمثل أداة مركزية لتمكين الحوكمة القائمة على الأداء بما يساعد في رصد أداء الجهات الحكومية بشكل لحظي مقابل الأهداف الاستراتيجية والخطط الوطنية ودعم اتخاذ القرار، وفي هذا الإطار، يبدو دور وكالة البحرين للفضاء في توظيف البيانات الجيو فضائية وتقنيات الذكاء الاصطناعي في دعم التنبؤ بالكوارث، وتحليل المخاطر البيئية، وتعزيز سرعة الاستجابة الوطنية، وميدانيًا يأتي دور الاستخدام المتقدم للطائرات المسيّرة والكاميرات الذكية في تقييم الأضرار، ودعم البحث والإنقاذ، ومراقبة المنشآت الحيوية، وإدارة الحشود، لحفظ الأرواح والممتلكات، ونقل الصورة الحية لصانع القرار.
وأضاف معاليه: إننا اليوم، ننتقل من مفهوم «رد الفعل» إلى مفهوم «الوعي الميداني اللحظي»، وهو أحد أهم التحولات في فلسفة الأمن المعاصر، وقد وضعت مملكة البحرين الأمن السيبراني في صميم أمنها الوطني، عبر تعزيز دور المركز الوطني للأمن السيبراني، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني 2025-2028، وبناء برامج وطنية للجاهزية الرقمية، وحماية البنية التحتية الحيوية، ونشر ثقافة الوعي السيبراني داخل المجتمع والمؤسسات. وإن حماية مراكز البيانات وإيجاد الوسائل البديلة إلى جانب الوسائل التقليدية، أصبحت ولا شك، عنصرًا حاسمًا في المعادلة الأمنية بشكل عام، في ظل ما شهدناه من استهداف لأمن المنطقة ودول العالم، فالجريمة الإلكترونية من أكبر التحديات العابرة للحدود؛ نظرًا لسرعة انتقالها بين القارات، وقدرتها على استهداف الأنظمة الحيوية والمؤسسات والأسواق والأفراد في لحظة واحدة، وأمام هذا الواقع، لم يعد أمن المعلومات، مسألة تقنية تخص الخبراء فقط، بل أصبح خط الدفاع الأول عن سيادة الدول واستقرار المجتمعات والثقة في الاقتصاد والخدمات والحياة اليومية، وبالتالي فإن التأخر في اكتشاف الجريمة الإلكترونية، لم يعد يُقاس بالساعات، بل بحجم الخسائر التي يمكن أن تصيب دولة كاملة خلال دقائق محدودة.
وقال معاليه: لقد أصبحت التهديدات الحديثة، أكثر تعقيدًا وخطورة وأصبحنا نواجه اليوم جرائم سيبرانية عابرة للحدود، وشبكات غسل أموال توظف التكنولوجيا، وجماعات متطرفة تستغل الذكاء الاصطناعي والتضليل الإعلامي لإرباك المجتمعات واستهداف استقرار الدول، وأصبحت الجريمة المنظمة تتحرك بسرعة التكنولوجيا، لذلك يجب أن يكون التعاون الدولي بالسرعة ذاتها، لا، بل أسرع منها وذلك من خلال وجود إجراءات العمليات المشتركة المسبقة بين مختلف الدول، ولأن هذه التهديدات لا تعترف بالجغرافيا، فإن مواجهتها، لا يمكن أن تتم بمنطق العمل الفردي أو الحلول المنعزلة، ولا يخفى عليكم أن الطبيعة الجغرافية لمملكة البحرين، تسهم في تعزيز سرعة الاستجابة الأمنية الميدانية. علمًا بأن الفاعلية لا ترتبط بالمساحة الجغرافية للدول في مفهوم الأمن المعاصر، فالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تجاوزا الحدود، وجعلا من الفضاء الرقمي ساحة مفتوحة تتحرك فيها الجريمة والحملات الإعلامية الممنهجة بسرعة الضوء، بلا إذن أو قيود، وهذا ما يؤكد ضرورة العمل المشترك والتنسيق السريع لمواجهة هذا النوع من الجريمة، التي تفرض إيقاعًا جديدًا في مفهوم الأمن والاستجابة.
وأضاف كذلك: إن المعركة اليوم ليست على الأرض.. بل مع الزمن والوعي، إن العالم بحاجة إلى شراكات أمنية أكثر عمقًا، وتبادل أسرع للمعلومات، وأطر قانونية أكثر مرونة، قادرة على مواكبة الجرائم الرقمية والعملات المشفرة والتهديدات السيبرانية المعقدة، وخاصة الجرائم العابرة للحدود، ومن هنا تتجلى أهمية التكامل بين الأمن والعدالة، فلا يمكن تحقيق أمن مستدام دون عدالة فعّالة، ولا يمكن حماية العدالة دون مؤسسات أمنية محترفة. والعلاقة بين الأجهزة الأمنية، والنيابات، والقضاء، والتشريعات الحديثة، لم تعد علاقة إجرائية فقط، بل منظومة متكاملة لحماية الدولة والمجتمع والحقوق والحريات في آن واحد، ورغم كل التطور التكنولوجي، يبقى الإنسان محور الأمن الحقيقي. فالأمن لا يعني فقط حماية الحدود والمنشآت، بل حماية الإنسان في كرامته، ومعيشته، وفرصه، وثقته بمؤسسات دولته. وحين يشعر الإنسان بالأمن والعدالة والفرص، يصبح شريكًا في حماية وطنه.
ولهذا فإن الاستثمار في التعليم، والوعي، والشباب، والثقافة الرقمية، خط دفاع رئيسي في مواجهة التطرف والفوضى والانهيارات المجتمعية. إن منطقتنا تمر بمرحلة دقيقة بحاجة إلى قدر عالٍ من الحكمة والمسؤولية من خلال العمل على حماية المجتمع، واحترام القانون الدولي، والحفاظ على أمن الملاحة والممرات الحيوية، التي يجب أن تبقى أولويات ثابتة في أي مقاربة للأزمات الراهنة لأن الشعوب تبحث عن الأمان والاستقرار والحياة الكريمة.
جلسات متنوعة
ركزت الجلسات في اليوم الأول من القمة، على الحوكمة المرنة المدعومة بالتكنولوجيا والتأهب الوطني لحالات الطوارئ، لاستكشاف سبل دمج التقنيات المتقدمة وتحليلات البيانات والمنصات الرقمية لتعزيز عمليات اتخاذ القرار والحد من المخاطر وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات.
وتضمنت جلسات اليوم الثاني ورش عمل تناولت مستقبل العمل الأمني وثقة المجتمع، حيث ركزت النقاشات على استخدام التقنيات الشرطية المبتكرة وتقاطعها مع استراتيجيات التفاعل المجتمعي والاعتبارات الأخلاقية، ما يسهم في ترسيخ مبادئ الثقة والعدالة والشمولية في ممارسات إنفاذ القانون.
وسلط برنامج القمة الضوء في اليوم الثالث والختامي على موضوع الابتكار في بناء قدرات أنظمة الطوارئ، فتناول تحديث أطر التعامل مع حالات الطوارئ والأزمات، وتدريب فرق الاستجابة الأولية باستخدام أدوات متقدمة، ودمج التقنيات الناشئة لتوزيع أفضل للموارد والتكيف مع التحديات العالمية المتغيرة.


